OMedia Nazmi.org
Originality Movement Political Site from Nazmi.org

 

 

 

 

Literature and Fiction

الرابطة الدولية للنقد الأدبي

الأصدقاء الأعزاء

  تعمل رابطتنا على انتخاب مجلس إدارة جديد. ويمكن ترشيح كافة الأعضاء القدماء والجدد منذ بداية اشتراكهم.

تبدأ إنتخابات مجلس الإدارة بعد الاجتماع العام الذي يقام في التاسع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 2007 في فندق غوين، حيث المكان التاريخي.

وفي الوقت نفسه يقام الاجتماع الدولي للرابطة حول (روح المقاومة في الأدب) الجمعة والسبت19-20/10/2007. وهذا البريد(الرسالة الالكترونية) دعوة للمرشحين في مجلس الإدارة الجديد.

  ونود أن نضع في اعتبارنا أن المرشحين المستقبليين قد بلغوا  قبل الأول من أيلول(سبتمبر) 2007

ويذكر أن كتاب الاجتماع العام 2006 حول "تداخل الأدب" تحت الطبع،  وسيصل كافة الأعضاء نسخ منه بالبريد. 

 

 رئيس الرابطة

دانييل لوفرس

        Daniel Leuwers

A . I . C . L
ASSOCIATION INTERNATIONALE DE LA CRITIQUE LITTERAIRE 10 juin 2007
Chers Amis,
Notre Association va statutairement être appelée à élire un nouveau Conseil d’Administration. Peuvent être candidats tous les membres (sortants ou nouveaux) à jour de leurs cotisations.
L’élection de ce Conseil d’Administration
(qui décidera ensuite de la composition du Bureau) aura lieu lors de l’Assemblée Générale
-
Extraordinaire qui se tiendra le vendredi 19 octobre 2007 en fin d’après-midi , à l’Hôtel Gouïn –lieu historique et musée sis dans le Vieux-Tours- en même temps qu’y sera organisé le colloque international de l’AICL sur « L’Esprit de résistance en littérature » (le vendredi mais aussi le samedi).
Avant la grande parenthèse de l’été, ce courrier est un appel à candidatures au nouveau Conseil d’Administration.
Ne pourront être prises en considération que les candidatures reçues avant
-
le 1er septembre 2007. Les courriers de convocation à l’Assemblée Générale Extraordinaire seront expédiés dans la première quinzaine de septembre.
Le colloque de 2006 « Le Métissage en littérature » est sous presse, et tous les adhérents le recevront par la poste ou lors du prochain colloque à Tours.
En très cordiale pensée,

Daniel Leuwers
Tayseer Nazmi joining the A.I.C.L
في أول حوار معه بعد عضويته في رابطة نقاد الأدب الدولية:
تيسير نظمي ناقدا دوليا يفتح النار على مثقفي الأردن
ويهدد أنه شاعر ملغوم… وشيحان تستطلع شظايا انفجاراته
قبل مؤتمر "روح المقاومة في الأدب" المقبل في باريس


What the critics say



American Literature:Prose+Drama
الأدب الأميركي :النثر والدراما وتاريخهما في الولايات المتحدة
للحصول على الملف قم بالضغط على الرابط أعلاه
 The Last Chapter Of Magic Night Events By Tayseer Nazmi (2004)

المزرعة في الأعالي

العجل و القر و الحمار

كان وحيداً عندما دخلنا إليه. عمره لم يتجاوز الأسبوعين وواقف رغم هزالة جسده. قدم له عمي الذي تجاوز الستين من عمره إناء الحليب الاصطناعي المعد حسب المكاييل و الأوزان ووصفة الشركة الفرنسية  المنتجة، فمد رأسه ليرشف ثم ابتعد غير راغب في مذاقه رغم الجوع . عللت من جانبي هذا التصرف بأنه أمر طبيعي أن لا يستساغ الحليب الاصطناعي من عجل صغير حديث الولادة عندما يقارن بحليب الأم.لكن هذا الأمر من وجهة نظر عمي يغدو مكلفاً إن هو أصر على رفض تناول الحليب الاصطناعي و أعتمد كلية على حليب أمه. و بحسبة  بسيطة كان قد شرح لي عمي و هو يعد حليب البودرة ، أن تكلفة ما يشربه العجل الوليد من حليب مرضعته يبلغ نحو الخمسة دنانير  يومياً و أنه لو شرب نصف هذه الكمية من حليب البودرة الاصطناعي بنصف دينار سوف يوفر في الوجبة الواحدة نحو دينارين وضعف هذا  الرقم إن تخلى كلية عن حليب الأم.  العجل الصغير بدا للوهلة الأولى متمرداً و ليس في وارد حسابات عمي على الإطلاق. و هكذا ظل في الجولة الأولى رافضاً تناول الحليب الفاتر المعد له خصيصاً، بل أنه عندما تم إكراهه بالضغط على رأسه ليغرق فمه بإناء  الحليب إندفع بقدمه المتسخة ليضعها في الإناء  مما جعل وجبته تمتلئ بالتراب و روث الأرض.

و هكذا توقف العم  عن الود و الإكراه معاً تاركاً له الإناء بحالته تلك حتى يجوع تماماً و يضطر في عزلته للتعود على الحليب الموجود أمامه. تأملت جسده و قد شف عن عظم ناتئ عند ظهره القريب من ذيله و مؤخرته و عن خواء معدته التي بدت فارغة لا يغطيها سوى الجلد المرقط باللونين الأسود و الأبيض. ثم غادرناه لتفحص بقية أركان المزرعة و موجوداتها بعد أن وصلنا متأخرين نحو ساعتين عن الموعد اليومي المقرر الذي يصل به عمي لتفقد و رعاية مقتنيات مزرعته من حيوانات وطيور. نهيق الحمار الذي انطلق عند مشاهدته لنا بدا حزيناً أكثر مما يجب، فقد سمعت الكثير من نهيق الحمير في حياتي المبكرة عندما كان عمري لا يتجاوز الخامسة عشرة، أي عام 1967، لكن مثل هذا  النهيق لم أسمع، فقد كان عذاباً و قهراً  و يأساً ذلك النهيق. و تبين لي بعد  ذلك أن الحمار كان مربوطاً ليس أكثر من بضعة أمتار تفصله عن بانيو الحمام الممتلئ بماء متسخ إلى حيث اقترب الحمار و ابنه القر الصغير ليشربا سوياً بعد قضاء ظهيرة يوم حار ضمن موجة الحر التي اجتاحت الأردن أواخر أيلول عام 2004. وحينما وصل الحمار  لبانيو الماء مد رأسه فورا و راح يغب غباً متصلاً للماء دون أن يرفع رأسه أو يحدث أي صوت يدل على أنه يشرب ، فقد كان عطشاً بشكل لا يصدق و على مدى دقائق متصلة ظل يشرب و يشرب و يشرب  كأنه في غيبوبة و كأنه آخر الماء في الكون ذلك الذي يشربه منذ بدء الخليقة حتى اضمحلال كوكب المريخ و جفاف الماء الذي كان عليه قبل ملايين السنين. رحت أتأمل الوضع بينما القر الطليق غير عابئ بالمشهد لأنه لم يكن مربوطاً و قد كان  حراً قبل أن يفك إسار والده  المسكين أو والدته و مع ذلك لم يفعل شيئا لأبيه أو أمه في محنته تلك  فلا نهق و لا شاركها في العويل، على عكس العجل الحصيف الذي تصرف و كأنه يحس بمؤامرة عزله عن أمه و بعده عنها و هي تملأ له درتها بالحليب و لكنها أيضاً كانت مربوطة و مغلق عليها حتى بوجود جدة العجل الهولندية الضخمة التي أنجبت أماً للعجل قبل أن يولد بزمن طويل.

بسالة كلب

للمرة الثالثة ، رغم تجوالي في المزرعة بصحبة العم صاحبها اليومي، ينبح الكلب أو الكلبة ببسالة منقطعة النظير كاد مع قوة اندفاعه / اندفاعها أن يبتر الجنزير المربوط به مع ان الجنزير يليق لقوته ومتانته بربط ذئب و ليس ربط كلبة هزيلة قليلة الحجم ناحلة الجسد و أشاهدها لأول مرة مثل بقية الحيوانات التي أشاهدها للمرة الأولى في المزرعة بعد انقطاعي عن التردد عليها و على العم و أبناء العم زهاء سبع سنوات متصلة كنت عاكفاً فيها على تربية العزلة، عزلتي، و ريش المأساة ، مأساتي ، وتنمية الديون ، ديوني، في قلب حي فاخر  في عمان الغربية  قريبا من مكان عملي الذي أزهقت فيه و حوصرت حتى حققت للوزارة أمنياتها الطيبة بتقديم استقالتي التي قبلت فوراً حتى قبل أن ينهي طلابي أسبوعهم المدرسي الأخير من العام الدراسي و قبل أن أتمكن من وضع الامتحان النهائي لهم. و هكذا مضت ستة شهور على عدم سماعي لأي نوع من أنواع النباح أو النهيق أو رعاية العجول الصغيرة  و الكبيرة.

و رغم نسياني للطريقة التي عالج بها مدير المدرسة الموقف بل و نسياني لمدير المدرسة نفسه خلال الشهور الماضية من العطالة عن العمل ، إلا أنني لا أدري كيف تذكرته أمام بسالة نباح ذلك الكلب الصغير، تذكرت تماماً كيف حمل ورقة الاستقالة ، أو قصاصة الورق التي كتبتها على عجل و بالقلم الأحمر المتوفر لدي آنذاك ببضع كلمات عجولةا: أنا فلان الفلاني أتقدم باستقالتي و سأوافيكم بالأسباب الداعية لذلك فيما بعد، و بعد توقيعي عليها ركض المدير يحملها مغادرا المدرسة إلى مديرية عمان الأولى زافاً البشرى لمدير التعليم و كأنه أنجز المهمة الموكلة اليه بتحرير القدس عندما أدار مفتاح سيارته و انطلق لا يلوي على شيء سوى أنه وصل إلى تحقيق الهدف المرجو من عمله التربوي ذلك المدير الذي شارف على تقاضيه لراتبه التقاعدي. لكن نباح الكلب هذه المرة لم يصل إلى نتيجة مع عمي الذي تجاهله على أمل أن يدرك أن النباح لمرة واحدة يكفي لإشعار القاصي والداني أن ثمة غريب في المزرعة و تكرار النباح على ذلك النحو يغدو أمراً مبتذلاً  من الكلب الذي ليس بحاجة لإثبات كلبنته و وفاءه أكثر مما يجب ليحصل على قطعة لحم لدجاجة ميتة من الدجاج الذي يربى بقصد الحصول منه على البيض في بركسات الدجاج البياض المجاورة .

الحالب و المحلوب و الجالب و المجلوب

 

انتقلنا إلى غرفة واسعة بباب حديدي واسع لأشاهد لأول مرة ثلاثة أبقار عملاقة بأحجام ضخمة  متقاربة جداً اثنتان تتشابهان باللون المرقط بالأسود و الأبيض وواحدة لم يتخلل لونها الأسود أية بقعة بيضاء تميزها عن الليل في الخارج ، الليل المرتفع على جبل مرتفع ببضع نجوم قليلة في السماء و بقمر مائل ناحية الهدوء المخيم على المزرعة في منطقة مقفرة لا تسمع بها سوى نباح الكلب عند أسفل المزرعة من ناحية الباب الحديدي الذي لا بد من فتحه لدخول الوانيت – البيك أب-  القادم من جنوب عمان باتجاه مدينة مأدبا و الذي قبل بلوغه منتصف المسافة من عمان إلى مأدبا يتسلق طريقاً متعرجاً صاعداً بك نحو قرية عجرمية يتجاوزها نحو سفح الجبل حيث تقع مزرعة العم القادم سنة 1991 من الكويت بعد انتهاء حرب عاصفة الصحراء بأشهر قليلة أو أسابيع. ضغط العم على الزر الكهربائي لآلة صغيرة بماتور  يتفرع عنها بربيش شفاف ينتهي طرفه بنحو خمسة شفاطات تثبت بدرة- أثداء- كل بقرة يراد حلبها بطريقة ميكانيكية  تعتمد شفط ما تجمع من حليب طيلة النهار في ضرع البقرة التي تكون مربوطة الرقبة بحيث لا يكون بإمكانها الاحتجاج أو التمرد أو حتى أن تحك رأسها بالمقبض الحديدي الذي يحرك تلك الآلة على عجلات تتقدم على مسافة متر من الضرع المتدلي بما يثقله من حليب بقر هولندي عملاق يشبه كثيراً بعض العائدين من الكويت عام 1991 بما تجمع في ضروعهم من أموال طيلة ثلاثين أو أربعين عاما قضوها في مراعي النفط المدرارة للبعض و الشحيحة الجافة للغالبية ليصار إلى حلب الجميع دون هوادة أو تفرقة خلال السنين الأولى من عودتهم إلى الأردن بأنابيب لها صفتها القانونية و المؤسساتية من  ضرائب و جمارك و تقاضي و نزاعات و محاكم و ضرائب دخل و مبيعات ومسقفات و بلدية و تلفزيون و كل ما تبتكره الدولة من أساليب لجمع و شفط الأحاليب مثل ضريبة المعارف و ضريبة الريف و ضريبة النفايات متعددة الغايات و كل ذلك دون أن يوجد العلف لآلاف الأبقار التي كانت سارحة في الصحراء و دول الخليج و دون أن توجد الوظائف و الكل يعيش من الكل و الكل خائف . فالعم مثلاً الذي يقوم الآن إبنه بالحلب الصناعي للبقرة الوالدة حديثاً البعيدة عن مولودها المحجوز في الغرفة الثانية بعيداً عن أمه و جدته و خالته السوداء خسر في أول سني  عودته للأردن أكثر من خمسة و أربعين ألف دينار في مشروع لصنع الحلويات في مرج الحمام أظنه عند التأسيس أسماه الأصابع الذهبية ليبيعه مضطراً لمن لم يستطع تسديد ثمنه كاملاً بعد الدفعة الأولى من المواطنين الذين رعتهم الدولة دون أن يضطروا لمغادرة الأردن لا سمح الله لجلب الغنم و المغانم من الخارج و الحلب في خزينة الدولة التي لا تمتلئ بفعل بركات البنك الدولي و البنك الغير دولي.

تابعت عملية الحلب البائسة للبقرة الأم التي أنجبت العجلة، العجلة التي سرعان ما تحولت إلى بقرة بحجم أمها و من ثم تحولت البقرة الأساسية إلى جدة بفعل النمو المتسارع و العلف المستورد و بعض حشائش الجبل الصخري التي يتغذى عليها الآباء و الأبناء سواء من الحيوانات غير الناطقة أو الحيوانات الناطقة و حاولت تناسي ما هو مخزون في ذاكرتي الثقافية القادمة من الكويت من تداعيات العقل الواعي و العقل غير الواعي لما يستدعيه وجود البقر الهولندي، الحليب، في الذهن  من قراءات أو ذكريات، كالبقرة في أدب جيمس جويس أو في أمريكا اللاتينية و تحديدا في المكسيك و الثورة الخضراء و ما انتهت إليه بعد أيام كارديناس و مزارع البقر التي أنشأها رعاة البقر في مستعمرات البقر و ما انتهى إليه المواطن الأصلي في تلك البلدان من فقر و هزال حيث أصبحت البقرة الواحدة تعيش على ما كان يقتات عليه 12 فردا من السكان الأصليين من الفاصولياء قوت و بروتين الفقراء و خبزهم في دول أمريكا اللاتينية و لا ألحت الذاكرة أيضا على بعض قصائد بابلو نيرودا التي يرى فيها الورد الأحمر الذي سينبت من راحتي تلك النحيلة التي تلم لطع البقر بيديها لتعيش و لكنني كنت قد استدعيت تذكر مقالة لي كتبتها قبل خمس سنوات بعنوان " لسنا أبقارا لكم" و حققت التفافاً جماهيريا حولها لكل من قرأها و أحس بأنها تعبر عن وجعه، خاصة من سكان أربد. يومذاك قلت أن البقر الهولندي وصل بحضارة أوروبا كي تحصل منه على أفضل الحليب و أفضل كميات بأسرع الأوقات أن يعزفوا له موسيقى لزيادة إنتاجيتة ، أما الأبقار العائدة من الخليج فلا تجد من يحس معها أن ضرعها جف منذ السنوات الأولى لعودتها و مع ذلك ما يزال يجري الضغط و الحلب الآلي و الطبيعي لضروعها الجافة الأمر الذي يؤلمها دون طائل و دون أن تحصل مؤسسات الحكومة و الدولة على الحليب الذي حصلت عليه في السنوات الأولى من عودة الأثداء مثقلة بالدولار و الدينار. يومذاك تساءلت: هل نسي الرعيان في بلادنا العربية حتى كيف كانوا على الأقل ، يجيدون الحلب ، في الماضي القريب ، بدلا من أن يطوروه كما طور الهولنديون طريقة الحلب بالموسيقى؟ و هل لنزلاء السجون و معسكرات البطالة من العائدين من الكويت غير نقود التعويضات  لمعالجة ضروعهم المشققة من كثرة الضغط بقصد الحلب بلا طائل؟ و أسئلة أخرى و غيرها تتوارد للذهن  سرعان ما أطردها عن خاطري متذكرا العجل الوليد في الحجرة المجاورة الذي أعلن تمرده منذ الأسبوع الأول لميلاده بأن يضرب عن الطعام طالما هو بعيد عن أمه و جدته و خالته و طالما هو غير منتفع من حليب الأم بالقدر الذي يجعل منه مواطنا صاحاً لخدمة شعار الأردن أولاً.

فجأة تساءلت بعد أن شعرت أن الغلبة للإناث في المزرعة، من يكون إذن الأب الفعلي للعجل المتمرد اليوم و الذي سوف يخنع في الغد؟

قلت لعمي : أين الثور إذن في عملية التوالد تلك التي تمت خلال السنوات السابقة من شح زياراتي لكم؟

فابتسم قائلا: أن لا ثور في هذه المزرعة غير الطبيب الذي يأتي بإبرة التلقيح الاصطناعي للبقرة المراد أن تحمل لتلد لنا عجلاً أو عجلة . و بالتالي فإن الآباء مجهولي الهوية هنا رغم معرفتنا للأمهات و الثكالى. فنحن قال العم: نجلب الدكتور فيغزها إبرة و غير مضطرين لجلب الثور. فالثور لا يحلب الثور، و هنا تساءلت: " لماذا لا تفهم الحكومات الأردنية المتعاقبة هذه الحقيقة العلمية البسيطة، في حالتي و حالة  كثير من الناس من ذات الفصيلة؟"

و بالتالي تصر محافظتي الزرقاء و العاصمة على إصدار مذكرات الجلب دون طائل سوى إضاعة وقت الجالب والمجلوب في عملية عبثية بين الحالب و المحلوب!

الصعود إلى أعلى

بعد الانتهاء من سقاية الحمارة التي كنت أظنها حماراً  و قرها أو قرتها الصغيرة و بعد الانتهاء من حلب ثلاث بقرات ضخام حصلت كل واحدة منها على مكافأة الخروج إلى الحظيرة المكشوفة في الهواء الطلق وشرب الماء وجها لوجه مع الحمارة التي كانت لا تزال مستغرقة بالشرب و إطفاء الظمأ وبعد أن أدت الكلبة مهمتها  و زيادة بالنباح الباسل على شخصي، و هذه أيضاً كنت أظنها كلباً ذكراً فإذا بها كما كان يخاطبها عمي كلبة صغيرة و حقيرة جداً، بعد كل ذلك صعدت أنا و عمي ، المرتفع ، تاركين الأبقار في بيتها و الحمارة و ابنها أو ابنتها في بيتهما و العجل المتمرد أصغر الكائنات في المزرعة أيضاً في بيته و عزلته الانفرادية صاعدين نحن أيضاً إلى بيتنا، إلى الفيلا ذات الشرفة الواسعة المطلة على إضاءات و أنوار القدس البعيدة التي كانت تتلألأ في مرمى البصر مثلما كانت تتلألأ أنوار حيفا و يافا  و ربما عكا أيضاً  أمام ناظرينا من باحة منزلنا الواسعة في سيلة الظهر خلال ليالي الصيف ما قبل حزيران 1967 الذي غادرنا من بعده  إلى الكويت.

أحسست مع الصعود بلهاث العم رغم أنه منقطع عن التدخين منذ سنوات و بالطبع بلهاث مدخن مثلي يحرق ثلاث علب سجائر رديئة في اليوم. كان  كلانا يصعد مستغرقاً بالصمت و كلانا له عالمه و طريقة تفكيره، بحكم فارق السن، حيث أن أعمامي الاثنين يكبرانني بعشر سنوات بيني  وبين العم الأكبر في حين أن العم الأصغر يكبرني بسنوات ست فقط و قد بقي في البلاد بعد هزيمة عام 1967م و لا يغادر السيلة إلا لماماً أو للزيارة و هو يقطن منذاك في المنزل الذي شيدته بأموال أرسل لي بها الوالد – طيب الله ثراه في ثرى الكويت- من عمله و شقائه في ذلك البلد منذ أن  وصله بتاريخ 31/3/1953 حتى وفاته بمرض السرطان في أيار 1989 قبل عيد ميلاده المفترض بنحو أسبوع فقط. و قد أنجب العم الأصغر صبياناً و بناتاً يصعب تعدادهم فملأوا بيتنا هناك حيوية و حياة و ضجيجاً جعل الناس ينسون أن ثمة غياب أو غائبين عما صنعته أيديهم أولئك الغائبين! و لا زلت أذكر أن الوالد – رحمه الله- لم ير بأم عينيه ذلك المنزل على الإطلاق إلا من الصور التي أرسلت بها إليه وكان عمري آنذاك لا يتجاوز الخامسة عشرة. و قبل أن نصل لفيلا العم مررنا بكلب أسود تريث و لم يقم بالنباح عليّ  فلما حاولت أن أشكره على حسن ظنه بي نبح هو الآخر عليّ  كأنما  أراد أن ينفي أية علاقة بيني و بينه باعتباري محسوب قلباً  و قالباً على اليسار فكرياً و سياسياً و باعتبار عمي محسوب على أصحاب رأس المال المتوسط و شكرته أيضاً الكلب على ذلك النباح الذي يحفظ له موقعه و منزله بعكسي أنا الذي لم يحتفظ لنفسه يوماً لا بموقع في العائلة و لا بموقع في الحزب و لا بموقع وظيفي و لا بموقع أسري بعد أن تطلقت أم الأولاد و انكفأت بأولادها و نفقتهم في زاروبة من زواريب الزرقاء  الحارة في الصيف كأنها امتداد للحرارة اللاهبة في الكويت و أقطار الخليج و البصرة و بغداد . و مع أنني من الناحية العملية عملت في الكويت ربما أكثر من ثلاثة أعمال في اليوم، في التدريس صباحاً و الصحافة مساء و السياسة و الحياة الزوجية في الليل مثل ثور لا يكف عن الحرث في أي مكان تطأه أقدامه، إلا أنني لاحظت  أن ثمة وجه للشبه في أمور كثيرة و أن ثمة وجه للاختلاف أيضاً في ما يجمع إناث الحيوانات في المزرعة  و ما يفرقها عن الذكور. كنت أحس بالتعاطف التام مع كل من يمنحنا الحليب و اللحم في وقت يحرم نفسه منها و يحرم أبناءه. أما أن تحرم البقرات الثلاث الضخام من الثور الذكر مدى الحياة  فهذا ما لم أستوعبه بعد مثلما لم أستوعب حرمان العجل الوليد من ثدي أمه. فالمسألة ليست غذاء و حسب و ليست إبرة تخصيب و حسب، إذ لابد

من وجود الثور بشكل من الأشكال. كي توجد العلاقة الطبيعية بين الكائنات. تماماً مثل تلك العلاقة الطبيعية بين القر و أمه الحمارة رغم عدم وجود والده الحمار. لكن ما دام حماراً فهل كنت تتوقع أن يقوم بمسؤولياته أمام ظمأ زوجته وفلذة كبده؟ و قبل أن نصل لشرفة الفيلا الجبلية في أعلى المزرعة مررنا ببيت الذكورة حيث حشرت ديوك الحبش  و ديوك الدجاج في قفص  واحد محاط  بالشباك منعاً لمهاجمة الواويات و بنات |آوى لهن إن استطاع أحدهم النفاذ من الشبك المحيط بعدة دونمات تشكل المزرعة بشجرها و كائناتها تلك التي اشتراها العم صخورا وفلحها بقوة رأس المال و استصلحها بساتين و أشجار  عنب و تين و أغراس زيتون ليوجد بقوة و بأس الشقاء على أرض الواقع شبيهاً للأرض التي فلحها و اعتنى بها جدي تساعده أموال  أبي ثم افتقدناها جميعاً اليوم باستثناء عمي الأصغر و عمي الأزعر أيضاً الذي لا يولي بحكم النشأة و السن الفلاحة  و الزراعة اهتماماً كافياً ناهيك عن عراقيل الإحتلال الإسرائيلي للبلاد.

فالحقيقة اليوم أن الحيوانات رغم اختلاف أنواعها قد يوحدها وطن في حين أننا نحن البشر يفرقنا الوطن في بقاع وأصقاع الأرض فها نحن القسم المتواجد في عمان لا نزور بعضنا البعض إلا في المناسبات فما بالك بالقسم الموجود في الولايات المتحدة أو غير المتحدة ! لي أقارب مثلاً في المفرق وإربد والزرقاء لم أرهم منذ 12 سنة ، أي منذ هبطت بي الطائرة القادمة من الكويت في 14 تموز 1992 أما الأقارب في السيلة فلم أرهم منذ حزيران 1967  وأقارب في أستراليا وفرنسا وبريطانيا وأميركا وكل هؤلاء تكاثروا وتوالدوا وحلبو وانحلبوا بالطبع لكن ضرعهم لم يجف ويتشقق بفعل الضغوطات مثلي  أو يحاصروا مثل تروتسكي في منفاه .

صمت الكلب الأسود عن النباح سريعاً حالما تجاوزناه مما ترك لدي انطباعاً بأن علاقته فاترة مع العم هذه الأيام  فقد اكتفى بأداء واجبه ليس أكثر على عكس الكلبة تحت التى ما تزال تنبح بلا طائل ولا تجد حتى من يلقمها بحجر .

العشاء والأخبار

بعد أن أثنيت على ترك العم للتدخين مؤنباً نفسي على عدم الإمتثال لطبيب القلب الذي نصحني باعتباري أصغر المصابين بأمراض القلب في عمان ، بعدم التدخين نهائياً، عندما كان بإمكاني مراجعته ودفع رسوم وأجور الكشفية وكان ذلك في أعقاب توقيع اتفاقات أوسلو مباشرة حين تعرضت في الأربعين من عمري لأول جلطة وانسداد في الشرايين ، دخل العم إلى المطبخ لتسخين بقايا طعام ثم جاء محمود ، ابن العم ، ليعاونه في إعداد العشاء لنا الثلاثة وكانت نشرة أخبار الفضائية تبث الأخبار عن القتلى والشهداء في كل من غزة والعراق وتصريحات المسئولين الفلسطينيين المعروفة مسبقاً بالنسبة لي وليس من جديد فيها يماثل القطط الشيرازية البيضاء التي تصول وتجول من حولي جائعة ومطالبة بحصتها من الطعام قبل أن تفرش المائدة لطعامنا نحن. لاحظ العم تجوالها المحموم فأخرج لها طعامها من المرتديلا التي تشبه ما أتناوله عادة في شقة عزوبيتي المتأخرة التي بدأت قبل نحو 13 سنة . تجمعت القطط حول مائدتها وقد ذكرتني بقطة جدي المدللة التي كانت تجلس على الجاعد قرب كانون النار في بيتنا الأول في الحارة الغربية من سيلة الظهر شتاء عام 1958 قبل تسعة شهور من مغادرتي الأولى للنار الأولى إلى صيف عام 1959 في الكويت في المرقاب .أيامذاك كانت رائحة شواء البطاطا والبصل الطري وما ينبعث من القدر على نار الشتاء في الموقد تدعو ابن السادسة من عمره للزهو حين يدرك أن دفء العناية الرحيمة إنما ينبعث من كفاح الإبن البكر للحاج عبدالسلام الذي بدأ حياته العملية في حيفا عندما كان في الثالثة عشرة من عمره جالباً لخواته الصغار قبل أن يولد له أخوة ذكوراً الكثير من برتقال بيارات حيفا الثلاثينيات وقد عمل مترجماً في سن مبكرة ورساماً رسم صورة للملك طلال قبل أن يغادر للكويت ربما لا تزال باقية على واجهة علية دار القفاف من آل موسى على الشارع العام الذي يصل مدينة جنين بمدينة نابلس حيث دأب الجد على صرف الشيكات التي تصله من الابن البكر في الكويت لدى محل كرسوع للصرافة بالدينار الأردني قبل أن يصبح للكويت دينارها واستقلالها بسنوات عندما كانت لا تزال تتداول الروبية الهندية ايامذاك. لذلك صار للجد أملاك فوق سفح الجبل الممتد من أعالي جبل القبيبات حتى الجبال الفاصلة بين برقة والسيلة حيث شيد الاسرائيليون مستعمرة لهم هناك . كانت تلك القطعة من الأرض الحمراء الخصبة مؤلفة من نحو عشرين دونماً ومشجرة بالسرو والزيتون والكرز والجرنق واللوز والعنب والتفاح ، حيث كان العم الذي يعد العشاء الآن يربي العصافير بعد اصطيادها مؤثراً هوايته تلك على الذهاب للمدرسة ومؤثراً الرسم بالألوان المائية على القراءة التي بات ابن أخيه الأكبر ، البكر ، منكباً عليها كملاذ ومهرب ومصير منذ عام 1965 حتى يومنا هذا ولا حول ولا قوة إلا بالله !

أثنيت أيضاً على الطعام وأنا أتبادل مع العم أخبار شجرة عائلة الجد _ طيب الله ثراه في ثرى وورود وحنون سيلة الظهر _ وكانت مبادرات الأسئلة نابعة مني وكأنني أنا المقصر فقط بالمحافظة على صلات القربى والقرابة في عائلتنا متجنباً بالطبع التطرق إلى المسائل الخلافية والعويصة بين الأخوة والأعمام وأولاد العمومة حرصاً على ماتبقى لنا من بعض مشاعر الوحدة الوطنية والعائلية ، مثل مسألة اقتسام الإرث الموجود حالياً في حوزة الاحتلال أياً كانت تسميته ذلك الاحتلال ومسماه والتي أثيرت من قبل العم وأخوتي وأخواتي بعد اتفاقات أوسلو ووادي عربة وخروجي من السجن لئلا أصاب بالجلطة الثالثة ويفقدوا بالتالي توقيع أحد الرموز الوطنية من القسمة بعد أن فقدوا الوالد الذي توفاه الله قبل والدته ، جدتي ، رحمها الله في ثرى سحاب خاصة بعد أن لحقت بها قبل سنوات قليلة والدتي أنا أيضاً رحمها الله بواسع رحمته في مقبرة الهاشمية ليس بعيداً عن رحمة حماتها. وبعد الأحاديث الودية غير الخلافية أخلدنا للنوم كما أخلدت الكلاب والقطط والأبقار والأوز والبط والدجاج والحمارة والقر وربما العجل الصغير المتمرد ، رغم أن أصوات الصيصان في بركسات الدجاج كانت ما تزال تسمع باعتبارها ديوك أو دجاج المستقبل أو على الأقل بيض الغد الآتي لاريب .

وما الإصباح منك بأمثل

خوسيفا ... خوسيفا  ... أنا الثور يا خوسيفا ، أين ردائك الأحمر في هذا الليل الليل ؟  وأنا الثور المجهول يا خوسيفا فلماذا تتمتعون بطعني في الحلبة في غرناطة في الأندلس في ساحات العبث والتسلية والوغى في هذا الليل والأبقار نيام ، إحذري العجل القادم إذن يا جوزيفا فلم أنس ليلة رم بعد ولا نجوم سمائها الواطئة عندما كان الله قريباً منا الله هناك أما هنا فنحن القريبون منه ولا أحد في هذا المكان المرتفع عن البحر وعن اليابسة وعن الشارع وعن الكلاب وعن القدس وعن القمر المائل عن كل شيء ولا أحد أو نجوم ، في هذا الليل الموجوم كدت أصرخ وأنا أرى الستائر خضراء السجادة خضراء الثلاجة خضراء ولا شيء أحمر سوى بلوزتك في إسبانيا الآن والدم المراق من غزة حتى العراق. وتوغل الليل توغل وتغول الزمان تغول فلا حارس مصري اليوم على باب المزرعة ليتفول ولا تعليمات تصدر له بأن يغلق الباب الحديدي ولا يفتحه إن جاءت اللادا الحمراء أو صاحبها تقول . الصمت والديجور كأننا على مقربة أمتار من الله قبور بعد أن

الأنباط على الأنباط النار ومن رؤوسها بالرصاص قزعت النسور من أعالي واجهة البتراء في الصحراء الدهور. فالزعرورة ماتت والحب الأول هنا دفنته بكلتا يدي وإلى هنا يحج المحتاجون وكل من عليه دين . كان العم قد أدى مثل رحمة جدي صلاة العشاء وكنت بالخبز الناشف قد جردت بقايا الحساء وتذوقت طعم بقايا التين في القطين من الثلاجة والعنب الذي أوشك أن يصبح زبيباً دون أثلاجه وكلي هموم على العجل الصغير خلف مزلاجه. لم يسألني أحد عن السنوات العجاف ولا عن من كان شجاعاً أبد الدهر ولا عن من خاف ، حتى اللحاف الأول الذي بالحرام أستبدل تذكرته في عقد بيتنا الأول اللحاف يغطي أماً وقرها يغطي نحاف ولم يكن من الصوف ليدفئنا أيامذاك اللحاف. لا لم تسمعني جوزفينا حتى الآن ولا سمعت بندائي روديكا أو شنيد الللواتي غادرن الأردن والمهرجان والصولجان مبكرات فلم يشاهدن بعد بنات العمومة مكبرات.

عواء في ليل طويل

 

قلت لعمي الذي نهض باكراً ، كما دأب جدي ، لأداء صلاة الفجر وتفقد المزرعة ، كما لو كانت الخلوة ، حيث شكلت لي صلاته إحراجاً كوني بلغت من السن عتياً وأنا لا أصلي :

-       كم من الوقت نحتاج للإنتهاء من الأعمال الصباحية في المزرعة ؟

فأجابني دون تردد : " ساعة أو بضع ساعة ريثما نحلب الأبقار وكي لا يجف الحليب أو يتلف "

كانت سجائري قد نفدت مما جعل الحياة أو البقاء للعزلة الإنفرادية في تلك المزرعة ولو لليلة إضافية مستحيلاً ، خاصة وأن نقودي أيضاً قد نفدت ولم يعد لدي مشحوناً سوى بطاقة الموبايل و الهاتف النقال نفسه الذي حتى وإن اتصلت بأحد من معارفك طالباً النجدة أو المعونة أو الرأفة أو الصدقة أو الزكاة أو طرح السلام أو تحية الصباح لما رد أحد عليك وفي أحسن الأحوال تسجل استغاثتك تلك " مسنك كول "

وهكذا بدأت في هدأة الصباح رغم حاجتي الماسة للنوم ، النوم الطويل الذي يليق بالمرتفعات العالية القريبة جداً من السماء أو التي هي فعلاً على العتبات الأولى من السماء كما لو كانت أعلى من التيبت فوق جبال هيملايا بل وأقرب ، بدأت أتصفح كتابي بيميني ذلك الكتاب الذي قد يطبع  أو قد لا يطبع ، فلم أجد منه غير بقايا سطور لا معنى لها

فحمدت الله أنه لم يكن الكتاب أو أي كتاب مقدس ، ولا هو أيضاً والشهادة لله بذلك الكتاب المدنس. قلبت صفحاتي فوجدتها لم تزل صافية كأيامي وبيضاء ناصعة كروحي ولكنني يا للأسف لم أكن كما كنت قبل سنوات عندما كنت عقب خروجي من السجن قد لجأت لذات المكان وكنت أيام ذاك صيف 1995 أعوي وأعوي مع الذئاب في البرية وأتمرد وأحتج وأقول ما حان اقتسام الإرث بعد و ما حان اقتسام الأوطان بعد و ما حان نهش البعض للبعض على رقعة وطن و ما حان ما حان البعد عن عمان لأي مكان وأعوي للأيام القادمة من الزمان إلى الزمان علها تفر اليمامات و تفر الغزلان لبر أمان . كنت أصارع الموج تلو الموج و أغوص أحياناً لأظهر من جديد كأنني كان كان العوام. كنت أختفي من الأردن لأظهر في دمشق وأختفي من دمشق التي تأسر دمشق لأظهر في اللاذقية التي إذا ضقت منها أذهب للساحل يوحدني البحر أمامي بالكرمل جيراني وإذا أزف الليل أرقص وبحضني الجنون والجنون راقصاً لا يراقص أقل من مدينة أو بحر.

والبحر ذاته البحر إن كان في جزر أو غير راغب في الرقص أهجره منسحباً لغير بحر. وهكذا وجدتني أيام اللادا الحمراء لا أنهب غير المسافات بين المدن صيف عام 1996 داخلاً أم راجعاً الأردن وقد تناهى إلي الخبر أن في الكرك جوع وأن خبز الفقراء في رجوع وأن الاعتقالات لرفاق ورفاق قد دبت على حين غرة والروح تأبى الخنوع. لم أكن عجلاً يتيماً حين كان ثمة حزب وما كنت تائها حين كان ثمة درب. إلى الدوحة إذن وللراية أو وطن ، للشرق للشرق وقد بلغت المحن. وعلى شاطئ دوحة قطر ، بنفس رطوبة أجواء الكويت والبحر كان الملاذ وكان السفر ، كأنه القدر . ولم أكمل اليوم السابع حتى وجدتني يا عم عائداً لعمان فلا مفر. وها أنا كأنني ما علّمت أو درّست ولا كتبت أو إنكتبت بالوحل والطين على عجين خبز الوطن.

فاقداً كل شيء كقدرتي على العواء أو الثغاء أو النهيق أو النباح على كل ما هو مستباح . فكرت فعلاً بالنباح لأجد حنجرتي تخونني. فكرت بالعواء الطويل الطويل لكنك أيقظتني. فكرت فعلاً بالهديل لكن روحي لم تطعني وحتى لو فعلت فهل تكون قد صدّقتني. ما للمزرعة صمت وسكوت ؟ هل نامت الكائنات عند الفجر وتركنني ؟ ووحدي لا تطاوعني نفسي وحدي . وعندما جهز العم للمغادرة حيث تعالى صوت محرك السيارة ، كانت السماء زرقاء وليل. كانت المزرعة صمت وخيل. وخيلت نفسي مع كل كائناتها نكاكي ونعوي وننهق قبل أن نزهق ، نشنق أو نشهق، ونخور أو نثور وتنبعث أصواتنا جميعًا في عزف سيمفوني قادم، لليل مطبق قادم .

 عن المؤلف

 

* نشر أول قصة قصيرة له صيف 1972في جريدة الرسالة الكويتية " شجرة شوك" وقد رأس القسم الثقافي فيها وعمره لا يتجاوز العشرين عاماً بعد إغتيال الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني. أثارت ثاني قصة له تنشر في مجلة جامعة الكويت معركة نقدية وسياسية أشعل شرارتها د. عرسان الراميني ورد عليه الكاتب د. أحمد الطحان والكاتبة فاطمة الناهض ومنذاك لفت إليه الأنظار وأساتذته في الجامعة مثل: د. علي الراعي و د. طه محمود طه و د. سليمان الشطي،  والكاتب إسماعيل فهد اسماعيل الذي إعتبره من جيل الريادة الثاني في القصة بعد جيل غسان كنفاني  في حين كتب الكاتب محمود الريماوي في الوطن الكويتية عن " الآفاق الجديدة " التي فتحها تيسير نظمي للقصة الفلسطينية متناولاً أول كتاب يصدر للكاتب " البحث عن مساحة " بالنقد والتحليل. وكتب الكاتب وليد أبو بكر أيضاً عن تيسير نظمي يقول : " أنه أحد الكتاب المهمين على المستوى العربي والذين لم يحظوا بشهرة يستحقونها هو و الكاتب سلمان ناطور لأسباب سياسية " أما الكاتب د. محمد عبد القادر فقد منعت مجلة "كتابات " البحرانية من دخول بعض الأقطار العربية لنشرها مقالته النقدية التحليلية حول كتاب " البحث عن مساحة". هذا وقد استثنى الكاتب بقسوة وصرامة قصصه التي حصدت الجوائز الأولى أو التي أثارت المعارك النقدية من كتبه، مثل " غيوم في السماء" أو " الداخل والخارج" التي رسم لها الشهيد ناجي العلي لوحة خاصة مذهلة نشرت معها في مجلة الجامعة التي كان يتولى إخراجها. وبعد ثلاث سنوات من صدور الكتب الثلاث الأولى في كتاب واحد أقدمت دار نشر " المشرق والمغرب العربي" على نشر الكتاب الرابع " الدهس" 1982 كباكورة إنتاجها فأصدرته وأغلقت تماماً بعد أن ووجه الكتاب بقدر من التعتيم  خلال اشتعال الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها. لم يعدم تيسير نظمي الحيلة فترة إيقافه عن العمل في "الوطن" بعد صدور كتابه الرابع ، فقد ترجم رواية الكاتب الأسترالي من أصل فلسطيني فواز تركي إلى العربية ولم تنشر مجلة "الكرمل" الفلسطينية سوى فصل صغير من ترجمة تيسير نظمي الذي سبق أيضاً أن ترجم مذكرات موشيه شارت حال الإفراج عنها عام 1980 والتي نشرتها جريدة السياسةالكويتية. انكفأ الكاتب ودخل في عزلة كان مع محمد الأسعد و خيري منصور و محمد عبدالقادر من أوائل الداعين إليها واستنفذت الحياة العائلية ومهنة التعليم جل طاقاته ولم يفكر بجمع نتاجه الفكري والإبداعي في كتب نحو 22 عاماً، منها 12 عاماً في الأردن.  

* نشرت له كبريات المجلات الأدبية والفكرية العربية العديد من القصص والمقالات مثل:"البيان" الكويتية و "الآداب" البيروتية و"الطليعة الأدبية "العراقية و"كتابات" البحرانية و"الكرمل" الفلسطينية و"الآداب" في الناصرة ومجلة"عمان" ومجلة "أفكار" في الأردن. ومجلة " ديوان العرب" وجريدة "القدس العربي" و"الزمان" و"الحقائق" اللندنيات ومواقع: " دنيا الوطن" و" فلسطين" و " إيلاف" و " العرب أون لاين" والعديد من المواقع  الإلكترونية مثل " المبادرة" الفلسطيني و " أمين" الأردني و" ألف ياء" العراقي و "حركة إبداع" و"العربي الحر" و"جهة الشعر" البحراني و"ميدوزا" المغربي و"الطاهر وطار" الجزائري و"مواطن" السوري– أكثر من  30 موقعاً -

* كتب على الإنترنت مسرحية متعددة اللغات "الغرفة 50 للدردشة" Chat Room 50 (multilingual) نشرت على موقعه الشخصي   Originality Movement

*  تستضيف العديد من مواقع الانترنت مقالاته الفكرية والنقدية حالياً.

* أسس حركة إبداع للثقافة والإعلام والمتابعة النقدية محلياً وعربياً ودولياً.

www.originality.jeeran.com

E-mail: Origin_m2000@hotmail.com

http://www.nazmi.org

http://www.omedia.jeeran.com

الحلة الاجتماعية: له ابنتان وولد ( إلزا 1978 غسان 1987 ديما 1988  مواليد الكويت جميعاً)

الخبرات العملية:الصحافة:

-  جريدة القبس: 75-1976/محررا ومترجما

-  جريدة الوطن:77 -1983/كاتبا ومحررا ومترجما                           

91-1992/ رئيسا لقسم فكر وفن وعضوا في سكرتارية التحرير

- جريدة الأسواق اليومية الأردنية:1993/كاتبا ومحررا- مدة شهرين ونصف فقط-

- جريدة الأهالي الأردنية:  1995مديراً للتحرير/جريدة الحدث الأردنية: مديراً للتحرير

- جريدة القدس العربي اللندنية :96-1997/كاتبا

- جريدة العرب اليوم + جريدة المسائية + جريدة الرأي  الأردنيات :  98-1999/كاتبا

- جريدة السياسة +جريدة الهدف +جريدة آراب تايمز الكويتيات (مكتب عمان) 99-2000/ مديراً للتحرير

- جريدة الزمان اللندنية:99-2004/كاتبا

الإعلام و الأنشطة الثقافية:

*أعد وقدم عدة أحاديث أدبية للإذاعة الكويتية وشارك في العديد من الأمسيات القصصية والندوات والمحاضرات  الفكرية في الكويت والأردن.

*كتب العمود اليومي و الأسبوعي للعديد من الصحف والمجلات الكويتية والعربية منذ عام 1972 مثل:اليقظة وصوت الخليج والطليعة الكويتيات والأهالي والحدث والمسائية الأردنيات  والقدس العربي  والزمان اللندنيات ويساهم عادة بكتابة المقالة النقدية الأساسية للنشرات المرافقة للمهرجانات المسرحية العربية و الدولية باللغتين العربية و الإنجليزية. كذلك من أبرز المشاركين في الندوات النقدية المصاحبة للمهرجانات المسرحية العربية والدولية.

*عضو الاتحاد العام للكتاب و الصحفيين الفلسطينيين وعضو المؤتمر التوحيدي المنتخب المنعقد في الجزائر عام 1987

                                                                                                        

·        له حالياً كتب قيد الطبع: 1- رواية " وقائع ليلة السحر " الجزء الثاني

·        2- المثقفون العرب من الإنقطاع التاريخي إلى الإنهيار االتاريخي

·        3-- نحو خطاب ثقافي فلسطيني مغاير 4- المؤرخون الجدد وإعادة تأهيل الصهيونية

·        5- الثقافة العربية ومقاومة التطبيع الثقافي

تلفاكس:96265163612+ نقال:- 795646904 962+  بريد إلكتروني:E-Mail: tayseernazmi @yahoo.com

King Abdullah II: "Iraq is the Battleground - the West against Iran"

 إمرأة فالتة

 

دعيهِ يكثر من لحظات الفقد حتّى يعثر عليه البرد..

 

كتابة، رجاء بكرية

 

نثر الحمام حبَّه على عنقها، قال

 

لا تبتعدي عن محابر الضوء، فمعابره، يا سيّدتي، مشغولة بغار يغار منك عليه. لقد عاد ذلك الرجل يسأل. دائما يسأل عن امرأة تغزل لون الفضاء شرفات على كتف القمر. هكذا أضاف، حين يأتي الليل تستعير أقدام ذلك الرّجل إحدى الشرفات الطيّارة كي يُسكن إليها قلبه.

يحبّك يقول، ويغشّ كلّ مساء وسائد العتمة. يتركها فارغة من كواحل النساء. حين يشعر بالوحدة يغشّ. فقط حينها ويشعر أنّه يلبسك. يمتلك زغبك تحت فتنة حبره. للحبر فتنة حين يسجّل اسمك بأظفار قلمه. كان دائما هكذا، يذهب إلى نساء لا يعرفهنّ وإليك كي يعترف للغياب بقدرته على استفزازه. إنّه ينعفه دائما على ورق امرأة مثلك تعتنق الغياب. حين يريدها لا تأتي، وحين تكون يسرقه رمل حيفا. يعثر دائما على ذريعة كي يعود إليك محمّلا بالحبر والتبر معا. تحت الرّمل يعثر عليه دون توقف. وأنت تستغربين دون توقف أيضا من أين يأتي بهذا الوهج. يسحبه خلفه مثل رجل تلك البقجة الّتي تبدو بحجم عالم خلف ظهره. لكنّ بقج الرّجل الّذي يتوهّج بك خفيفة ورشيقة تحمله أكثر ممّا يحملها، ويشغله دائما حبُّ القمح الّذي ستمتلىء به جيوبها.

عنكِ قال ذات مرّة، أنّك قادرة على استنزال القمح من الغيم، وتفعلين دون جهد. بمجرّد أن تهمسي، يا غيم انتعش، يتضاحك القمح في الفضاء، وينزل على كفيك نزول شتاء. عصي على الفهم ما يحدث بينك وبين الغيم والحمام. كلّ الحمامات تطير كي تعود قريبا من سبائك القمح التي بين عينيك. تلوّح من بعيد كي تستثير البدن أوّلا ثمّ تثير عاصفة حول الشفاه. تحنّ الشفة حينها لريق الجوع وحموضة العناق.

 

شعرها تطلقه للرّيح

رسائله سريعة ومختصرة. تركض عبر المواقع كأنّها تبحث عن قصد أو غير قصد عن امرأة فالتة. امرأة تمتحن الإنفلات، أو تمتهنه هما سيّان. انفلات قلبها، خصرها، ومزاجها، وشعرها تطلقه للرّيح دائما. تضمّه على شكل سبائك قمح وترسله إلى المغر والغيلان. كالقمح الّذي تعلف به حمامات النافذة وورد الشرفة. فالأزهار الّتي تركها رجلها السابق تأكل القمح. أقصد تتناول أقراص القمح كي لا يبغتها الشوق، وتبهر الرّغبة عيون براعمها.

رسائله قصيرة، وفواصله سريعة. تلاحظه يركّب السطور كـأنّه يركب قاربا تائها أو سفينة ضائعة، وكأنّه دائما رجل لأساطير مستحيلة. وأنّه سيعيد القوارب إلى موانئها، والسفن إلى مدنها والنوارس إلى مياهها الإقليميّة. أقاليم النوارس رحيل لانهائي للبلاد الّتي يكتبها كلّ صباح ملايين المرّات على نوافذ الوهم. يطوّبها في ذاكرة الناس الّذين يعرفهم والّذين يلتقيهم لأوّل مرّة. "يبدو أنّ الشوارع الّتي تمشونها ستكون موطنا لسكرات قلبي حين أعود"، يعد الوقت بالعودة، ويعد المكان بإقامة لا علاقة لشرطة الأحوال الشخصيّة مثلا بألوانها. يحاول أن يكون رسّاما كما تحاول هي المرأة الّتي يلاحق دعسات عطرها، لكنّه يعرف أنه يستطيع أن يكون رساما وفاشلا بامتياز، لأنّه لا يميّز الألوان حين تدقّ رأسه جدران يعشقها كلّها. ومن شدّة لهفته يلوّنها بكلّ الألوان كي لا يميّز بين حيطان أشواقه.

"دولتكم عنصرية" يقول ولا يجوز أن أكون مثلها عنصريا عن سبق إصرار. تكفي ألوان تلك المرأة. إنّها تعرف كيف تلوّن الورد كما تلوّن الرّمل والبشر. حيطان حلمها ألوان مؤجّلة. أدقّ علبة كلامها وتظلّ صامتة. أحاكي الحمامات فتنثر حبَّها وحُبِّها. ترقص الحمامات على دندنة الصّباح وحدها بلا امرأة تفيض برصاص الحبر. لحبرها رصاص لا يعرف أن يكون عاديا. لا يحبّ أن يكون مسالما. تطلق شعرها للرّيح دائما.

 

حاولتُ.....

 

أن أوقع بها فخذلتني بداية. استدرجها قال:

" أبحث عن شامة لنهدك بين سنابل القمح كي أعيد إليه اللبن" أدهشتها المقولة. " وأبحث عن زمنك يا سيّدة الزّمن، كلّ الزمن. لكنَّك تسكنين بعده، فكيف أعثر على نساء يصعدن في صوتك وحبرك وحربك، ورسم وجهك يجرح قزحيّة العين كلّما أدام السحر اللحاق بتعرّج الخد. كأنّ سطورك، يا سيّدتي لكلّ النساء اللواتي يستقلن من عمر الحكاية كي يبقين سرّها. لعمرك أعمار ولصوتك ارتجاف نجمة على فم ليل. مصيدة للقلب عطرك، يلف بالذّاكرة حتّى الضياع، لأجل ذلك ربّما ضاع الّرجل الّذي كان لك، وهل تعرفين يبدو أنّ ذهابه كان ضروريا لاستمرار الحكاية، حكايتك ليست لمخّه المحاصر بمراياه، حكايتك يا ملكة لأمراء الحياة"

لا تنزعجي يا سيّدتي من المرأة أو النساء الّلواتي سحبنه. هنّ امرأة واحدة ولا يتّسعن لكعب حذائك. والبنت الصغيره الّتي يشتهي ودّها ستقص له شاربيه وذات يوم ستجعله أضحوكة . ذات يوم يا سيّدة الزمن سيستجدي الزمن.

كتبتُ إليكِ، وأردت أن أكون ذاكرة لك. هذه أيّام تصلح لترميم أزقة الذاكرة الذّاهبة مع حمامات الصّباح. هل يعرف الرجل الّذي كنتِ له هذا الملاك الّذي يسكن عليّاتك؟ عند الصباح ألمحها تنقّ شوقك النائم بهديل قلبها. كلّما لمحني كلامك أخذني وسحبني من كمّ ارتباكي ككل الّذين انسحبوا قبلي، ومعي ألف محبرة تخربش، تنقنق، وتُشرِع جناحيها لهمس بارد يرشقه هواء البحر على بدن الدهشة.

اعتراف الرّغبة

 

دعسات قلبي خلفك. أتراجع أحيانا لكنني أعود عاصف الرّوح أقبّل نقنقة الحمام الّذي يزجل من شقّ نافذتك البردانة. أقبّل قلبك حينذاك، وخد يخيّل إليّ أنّه رسم مدينة تشبه حيفا، أو ربّما رسم الأسوار الّتي لعكا.

تقولين أذهب إلى هناك كي أنتقي برجا مناسبا لمراقبة الحلم.أراك من هنا تقربطين بعنق البرج الأخطر. أخاف قليلا عليكِ، لكنني أهدأ دائما لأنك امرأة ألحقت هزائم بالخطر. أبتسم لك الإبتسامة الّتي تحبينها، وأضحك أحيانا الضّحكة الّتي تسمّينها ضحكة العسل. أسجّل ملاحظات طويلة على خراطيشي كي أمرّرها مغمض العينين حين ألمحك داخل علبة الكلام. أغلق عليك لهفتي وفقدي، وأحاصرك بالورد. أعرف كم يضعفك الورد الأحمر، وظهوره في حالة دوخان..

كأنّه يدور عني، قالت وهي تستعرض نزهات الورد الطويلة والخاطفة. حين ترسله إليّ متفككا على تلك الحالة أتذكّر حكايا كثيرة كانت تفيض بها عمّتي حين كنت طفلة قبل النوم. كانت تَشرُقُ ريقها بشدّة وتغمض عينيها على طقس سحر. تدور بي الغرفة وبها وبمدفأة الحطب. هكذا تبدو نزهات وردك نزهة فيض، ليست لديّ تسميات أجمل تليق بانتشاء الورد. هل أخبرتك أنّ الرجل الّذي أحبني وتمنيت شوقه دوّخ الورد وشوكه لكثرة ما نسج أردية للغياب.

لا يحبّ الغياب أن يلاعبونه، قلتَ. ولا أحبّ أن يلاعبوا وردي، قلتُ. أنتٍ وهو إذن صديقان، أضفتَ. جرّبي أن تعلّقي وردة من النّوع الّذي يدوخ على منشر غسيل، بعد ذلك أطلّي على حبقي وخبّريني ماذا تهمس البتلات للورق. وسوف تفهمين حينها كيف ذهب ذلك الرجل.

ضحكت لأوّل مرّة منذ بدأ يسترق الكلام ويتفكك داخل علبة زهرها. قتله همس البتلات إذن!

 

اعتراف الدهشة

 

لكنّ الّذي يحدث حين تلمعين داخل علبة الكلام أنّك تخرسين قلبي عن نقّ حكايته، وتسترجعين الحمام، كأنّه مشدود إليك بسلاسل ثرثراته الصباحية. ألمحه منسجما مع ثرثراته وأنت تنعفين الحلم على ريشه وتلمّعين بكوعك مناقيره. حرفة النثر ممهورة بصوتك، هكذا يقولون، ناثرة بامتيار. أعجب بعدهم، كيف يقولون ناثرة وأنت قاصفة بامتياز!

يقلّم أجنحة الحمام بمقصّ الورد، ويتهمها بالقسوة. يخبرها ألا تكون قاسية مع ريشها. لا يصدّق أنّها لا تنتف ريش الحمامات البيض، وأنّها تعرف فقط كيف تهدّد تاجها بالمعط إن عادت أيّام الآحاد إلى إيقاظها من النوم. "هذه الحمامات تترك نوافذ الناس وتأتي إلي" احتجّت عنه. ومنذ جاءت كفّ عشقها عن الكلام. أصبحت هي من يوشوش عنه. أصبح جواد خلف دائرة القلب، وأصبحت تحمحم الأبعاد الّتي نسيها تحت كعب حلقه. أحبّته حبّ أبد وأحبها حبّ سبب. كعوب كثيرة سدّد لحلقه، ولقد تفنن وقتا على شواطىء الدّعابة. لفت انتباه الحمامات حين وصل. نسيها وبدأ يكاغيها كأنّها الطفل الّذي ينتظره. استغربت هي كثيرا، وحقدت على سرب الحمامات الّذي أصغى بحرص إلى صوته وفزع لملاقاته. كانت حمامات إناث يزيّن عنقها طوق أرجواني. ظلّت تغمز له وتغمره، يا لدهاء النساء !

لم تبرح مكانها . بقيت تختلس نظرات جانبية إليه وتفتنه بكحلها. وبقي هو ساكتا على الكرسي يسترسل لموج السّماء مرّة ولموج كحلها مرّة. فتنته الحمامات ونسيني. حين عدت إليه مع القهوة وجدتها في حضنه يلاعب ريش عنقها. تركته هكذا ما يزيد عن سبع دقائق. حين تركها فتّش عن شعري كي يلاعبه فهربت إلى موج الورد الّذي يكبر على شرفات البيت. طلبت إليه أن يغسل يديه من رائحة الزغب. ضحك ضحكة العسل، وهمس، "كلّك زغب. حذّرته من بعيد، "زغب برائحة موج". بعد قليل أخذتُ دور الحمامة على ركبتيه.

لم تناقش صمته ولا ناقشت كلام أصابعه لشعرها. أحبّ الصمت كثيرا، خنقها صمته. صارت تحكي للحمامات أكثر ممّا تحكي له. وفي لحظة شوق قاصف قصفت عشقها له. أرادت أن يفهم أنّها لن تقدر على البقاء مع رجل يحبذ زغب الحمام وزغب النّساء على حدّ سواء. بقيت امرأة تحبّ رجلا يعيش وراء الغيم ومع الوهم.

 

لهفة

 

تتذكّره حين تستيقظ الحمامات صباحا وتدور حول نفسها، فتمسح قلبها بظاهر يدها وتتحصّن داخل الملابس السّوداء الّتي أحبّ أن ترتديها كلّما خرجا إلى شوارع القهوة. حين تحسّه قريبا من موج شوقها تدهن قلبها بصمغ البعد. هكذا لن يفكّر بالدّخول، ستلتصقان قدميه بالعتبة. تبقى غالبا خلف علبة الكلام. تستفزّه، فيحتال عليها:

"الاحق نظراتك السّابحة في سماء متخيّلة، وأسأل كيف تتبعثرين هناك. عبّأتُ قوارير العطر الّتي فرغت في خزائن منافيّ بك، ملأتِ يا سيّدة الورد خزائني عطرا وهمسا. أستيقظ صباحا فأجد العطر يراشق الهمس الغرام. العطر يثرثر والهمس ينكمش على دفء أخبئه تحت الوسادة. حين يباغتني حنيني لغمزة خدّك أندفع نحوه. لكنّه يحب أن يظلّ باردا. أنا أصدّق هواجسي وأعتقد أنّك كلّّما أصغيتِ إلى الحمام الّذي يدور حول نفسه صباحا سيزداد يقين الرّجل الّذي فقدك بأنّه لك. الرّجال، يا سيّدتي يسحرهم هديل هذا الكائن الصغير في قلوبهم. وهنّ من سيعدنك إليه.

أنظري إلى قمصان الرّجال الّذين تصادفينهم في سحابة اليوم. فوق القميص الّذي يغيّب مسافة القلب هناك حمامة تهدل دون توقّف ، بطوق برّاق جدا وفاتن جدا. دوري على نفسك كما يفعل حمام الصّباح. ابتسمي له كلّما تذكّرك حين يستيقظ، وأنا سأنتظر انشغالك بريشها وأطواقها وهديلها.

 

بقيت أنت!

 

يتذكّرك الحمام، وأنا أدور على نفسي معه. أخبرتُ الإناث أنّك دائم السّؤال عن دورانها اليومي حول صوتها. الأزهار عادت إلى إشراقها. تفتّحت بكلّ ألوان الحياة. ولون الرّجل الّذي كنت أحبّه ذاب. بقي منه بضع أصص حبر وأقلام صبّار، وربّما وردات تعرف أنّ عطرها سيتبعثر أشواق. هذا القلب، يا سيّدتي ليس لك أنت. دعيهِ يكثر من لحظات الفقد حتّى يعثر عليه البرد.

....... عاد الحمام إلى نقرِ الحبِّ الأصفر عن عنقها كأنّه السّنبلة الوحيدة الّتي يحتفظ بها الحقل للحصيد.

 

حيفا، مايو 2007

Rajaab60@hotmail.com